- 29 يوليو 2026
- معهد الدراسات الأمنية
يُتيح إنهاء بعثة الاتحاد الأفريقي (AUSSOM) -التي تتسم بطابع عسكري مكثف- للاتحاد الأفريقي مجالاً لتطوير بعثة سياسية تركز على تحقيق الاستقرار طويل الأمد.
بعد ما يقرب من 20 عاماً من العمليات، لم يعد استمرار بعثة الاتحاد الأفريقي لتحقيق الاستقرار والدعم في الصومال (AUSSOM) أمراً قابلاً للاستمرار؛ إذ أخطرت الولايات المتحدة الاتحاد الأفريقي في الأول من يوليو بأنها لن توفر تمويلاً للبعثة لما بعد 31 ديسمبر.
تعتمد بعثة (AUSSOM) على الأموال الأمريكية لتغطية تكاليفها اللوجستية، كما دأبت الولايات المتحدة على تقديم دعم ثنائي للدول المساهمة بقوات وللقوات الأمنية الصومالية.
وتشمل أسباب القرار الأمريكي فشل الحكومة الفيدرالية الصومالية في تولي المسؤولية الكاملة عن مهامها الأمنية والحفاظ على التقدم المحرز ضد حركة “الشباب” والجماعات الإرهابية الأخرى. وقد صرحت الولايات المتحدة بأنها لن تستخدم حق النقض (الفيتو) لمنع مجلس الأمن الدولي من تجديد تفويض البعثة في نهاية عام 2026، لكنها ستعرقل أي دعم لوجستي أو عملياتي من الأمم المتحدة.
ولا يُعد القرار الأمريكي مفاجئاً؛ فقد عارضت الولايات المتحدة في ديسمبر 2024 استخدام قرار مجلس الأمن رقم 2719 لتمويل البعثة، معللة ذلك بأن “الشروط اللازمة للانتقال الفوري لتطبيق القرار 2719 في الصومال لم تتوفر بعد”. ويسمح هذا القرار للأمم المتحدة بتمويل عمليات دعم السلام التي تأذن بها المنظمة الدولية ويقودها الاتحاد الأفريقي.
نفذ الاتحاد الأفريقي ثلاث عمليات من هذا النوع منذ مارس 2007، وقد اعتمدت جميعها بشكل كبير على الدعم المالي واللوجستي المقدم من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين. وشمل هذا الدعم عمليات نقل القوات، والدعم الجوي، وتوفير الوقود والغذاء والمياه والخدمات الطبية، فضلاً عن متطلبات الإدامة الميدانية لما يقرب من 12,000 فرد من أفراد بعثة الاتحاد الأفريقي و20,900 عنصر من قوات الأمن الصومالية.
وفي يناير 2025، أقر مجلس الأمن الدولي استراتيجية الاتحاد الأفريقي المعروفة باسم “AUSSOM”، والتي تتألف من أربع مراحل وتخطط لنقل المسؤوليات الأمنية إلى قوات الأمن الصومالية والانسحاب الكامل بحلول 31 ديسمبر 2029.
ويتمثل الواقع الراهن في أن دعم الاتحاد الأفريقي للصومال -مهما كانت صورته- لا يمكن أن يعتمد على نهج عسكري مكثف؛ فالتمويل غير كافٍ فحسب، بل إن البعثة قد بلغت أيضاً الحد الأقصى لما يمكن أن يحققه التدخل العسكري بمفرده.
في الفترة ما بين عامي 2007 و2012، اتسمت عمليات البعثة السابقة لـ “AUSSOM” -وهي بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM)- بالمعارك الضارية وتحقيق الاستقرار الأولي، وتوجت تلك الجهود بالتأسيس الرسمي للحكومة الفيدرالية الصومالية، حيث مُدّت سلطة الدولة لتشمل خمس ولايات فيدرالية، مما شكل إنجازاً سياسياً بارزاً.
وفي الفترة من 2012 إلى 2018، بلغ الضغط العسكري الذي مارسته بعثة “AMISOM” ذروته، مما أجبر حركة “الشباب” على اتخاذ موقف دفاعي في الغالب. ومع ذلك، شابت تلك الحقبة حالة من الارتباك الشديد بشأن التفويضات والقيود المتعلقة بالقدرات، إذ عملت البعثة دون دعم سياسي قوي على الأرض من جانب الاتحاد الأفريقي. كما افتقرت البعثة إلى استراتيجية للانسحاب حتى هدد الاتحاد الأوروبي بوقف التمويل في عام 2018.
وقد أدت هذه التهديدات بوقف التمويل، مقترنةً بحالة “إرهاق المانحين” والضعف النسبي لحركة “الشباب” آنذاك، إلى اتخاذ الاتحاد الأفريقي قراراً بسحب بعثة “AMISOM” بحلول ديسمبر 2021. غير أن الوضع الأمني العام في البلاد، وعدم جاهزية السلطات الصومالية سياسياً، أديا إلى تعثر عملية نقل المسؤوليات الأمنية إلى قوات الأمن الصومالية.
كحلٍ وسط، حلّت “بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال” (ATMIS) محل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM) عام 2022، بتفويضٍ يكاد يكون متطابقاً وموعدٍ مقرر للانسحاب بحلول ديسمبر 2024. وقد اتسمت هذه الفترة بالركود، إذ لم تشهد أي إنجازات أمنية جديدة ذات قيمة، بل إن بعض المكاسب التي تحققت في مواجهة حركة “الشباب” قد تراجعت.
كما أن نهج السلطات الصومالية تجاه بعثات الاتحاد الأفريقي لم يشجع على استمرارها؛ فعلى مر السنين، قامت الحكومة الفيدرالية بطرد كبار قادة بعثات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، متذرعةً بـ “سوء السلوك” و”التدخل في الشؤون الداخلية”. ولعبت الحكومة دوراً أكثر بروزاً -وإن كان مثيراً للجدل- في عمليات التخطيط والنشر وإعادة القوات، مما أدى إلى المساس بالاستقلالية التشغيلية للبعثات وعرقلة قدرتها على أداء مهامها.
ويمكن القول إن السلطات الفيدرالية وسلطات الولايات في الصومال تعاملت مع الدعم الأمني الذي تقدمه بعثة الاتحاد الأفريقي كأمرٍ مُسلَّم به، مما قلل من الحوافز لديها لحل خلافاتها السياسية؛ علماً بأن تسوية هذه الخلافات كانت ستُفضي إلى تحقيق أهداف أوسع نطاقاً تتعلق ببناء الدولة وترسيخ السلام.
يتعين على الاتحاد الأفريقي الآن التحول من الهيكل الحالي الذي يغلب عليه الطابع العسكري إلى بعثة ذات توجه سياسي، لا سيما في ظل تعثر أداء بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الصومال (AUSSOM). لقد كان استمرار عملية عسكرية واسعة النطاق لمدة عشرين عاماً أمراً ينطوي حتماً على إشكاليات؛ إذ كان ينبغي إنهاء المهمة في عام 2021، بعد أن ساعدت الصومال في إرساء هياكل الحكم والمؤسسات الأمنية وتقويض قدرات حركة “الشباب”.
وتُعزز الضغوط المالية المتزايدة الحجة الداعية لعدم الاستمرار؛ فقد تراكمت ديون ضخمة على بعثة (ATMIS)، مما كشف عن عجز هيكلي لدى الاتحاد الأفريقي عن تمويل العمليات واسعة النطاق أو دعمها لوجستياً.
غير أن الانسحاب من المجال العسكري لا ينبغي أن يعني التخلي عن الصومال؛ بل ينبغي للاتحاد الأفريقي الانتقال إلى بعثة سياسية متخصصة ومحددة زمنياً، تركز على تحقيق الاستقرار طويل الأمد. وهذا يتطلب انسحاباً استراتيجياً وحذراً لبعثة (AUSSOM)؛ إذ إن سحب عملية دعم السلام سيخلق فراغاً أمنياً، نظراً لأن قوات الأمن الصومالية ستواجه -على الأرجح- صعوبات في تولي المسؤوليات الأمنية بشكل كافٍ.
تجري مفوضية الاتحاد الأفريقي حالياً مشاورات مع الأطراف المعنية والدول المساهمة بقوات، وذلك لتقديم خيارات إلى مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد، الذي سيتولى تحديد مصير بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (AUSSOM) لما بعد عام 2026، وكذلك طبيعة الوجود المستقبلي للاتحاد في الصومال. ولدى اتخاذ قراره، ينبغي للمجلس النظر في مسارين متوازيين.
يتمثل المسار الأول في إمكانية أن يتخذ الدعم شكل بعثة للتعاون الأمني الإقليمي. ففي عام 2021، اقترحت فرق تقييم تابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي استبدال بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM) بـ “القوة الجاهزة لشرق أفريقيا” (EASF). وتُعد الدول التي تساهم حالياً بقوات -وهي بوروندي وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا وأوغندا- أعضاءً في هذه القوة الجاهزة؛ إذ تمتلك معظمها مصالح أمنية في الصومال وترغب في الحفاظ على المكاسب التي تحققت بشق الأنفس. وستحتاج مثل هذه البعثة إلى دعم سياسي وفني من مجلس السلم والأمن فيما يتعلق بالتخطيط والعمليات وحشد الموارد.
أما المسار الثاني، فيتعلق بالجانب السياسي الذي يمثل جوهر المشكلة الأمنية في الصومال؛ إذ يمكن لمجلس السلم والأمن تشكيل بعثة فنية لدعم كل من العمليات السياسية في البلاد وبعثة التعاون الأمني الإقليمي.
إن توقف التمويل الأمريكي لا ينبغي أن يعني التخلي عن بعثة الاتحاد الأفريقي؛ بل إنه يتيح فرصة للانتقال من الدور العسكري إلى الدور السياسي، وهو أمر يقع ضمن نطاق قدرات الاتحاد الأفريقي. فمن خلال تعزيز الانخراط السياسي، يمكن للاتحاد الأفريقي تقديم دعم أفضل للصومال.




